ارتفاع السكر المزمن يُتلف بصمتٍ أوعية دم النفس وأعصابه في أعضاء الجسم المختلفة، والاكتشاف المبكر مع الفحص الدوري يبطئ تقدّم مضاعفات السكري بفعالية، بل وقد يمنعها تمامًا.

ارتفاع السكر في الدم يضرب أعضاء الجسم كلها

 

**الخبير المحاور:** البروفيسور زو جون جيه، رئيس قسم الغدد الصماء بمستشفى تشانغ جنغ شنغهاي التابع للجامعة الطبية العسكرية الثانية التابعة لجيش التحرير الشعبي

**إعداد: شي جيه، مراسلة الصحيفة**

خطر داء السكري على الصحة لا يتوقف عند ارتفاع السكر في الدم وحده؛ فالسمّية الأيضية الناتجة عن ارتفاع السكر المزمن أو تذبذبه المستمر تُتلف ببطء الأوعية الدموية والأعصاب وأعضاء الجسم كافة. ويحذّر البروفيسور زو جون جيه من أن هذا الضرر شديد الخفاء، فحين تظهر الأعراض الواضحة يكون الضرر غالبًا قد صار غير قابل للعكس. لذلك فإن الاكتشاف المبكر والفحص الدوري يمكن أن يبطئ تقدّم المضاعفات بفعالية، بل ويمنعها أحيانًا.

الجلد: حكة والتهابات

ارتفاع السكر المزمن يسبّب الجفاف، ويُتلف البطانة الداخلية للأوعية الدموية والأعصاب الطرفية، فيؤدي إلى مشكلات جلدية متعددة. تظهر في البداية أعراض مثل جفاف الجلد والحكة وتصبّغات جلد الساقين، مع سهولة الإصابة بالفطريات والدَّمامل المتكرّرة والبثور التي لا تلتئم. كما أن اعتلال الأعصاب اللاإرادية عند مرضى السكري يسبّب اضطراب التعرّق، فيتعرّق النصف العلوي من الجسم بغزارة بينما يجفّ النصف السفلي.

على المريض أن يعتمد أساسًا على المراقبة الذاتية اليومية، وأن يطلب من الطبيب فحص حالة الجلد عند كل زيارة متابعة. وإذا حدث أي تقرّح أو جرح، يجب مراجعة الطبيب فورًا.

العظام: ألم وتقزّم القامة

ارتفاع السكر يسرّع فقدان الكالسيوم ويُتلف نسيج العظام، ما قد يؤدي إلى هشاشة العظام، وتظهر أعراضه في صورة ضعف بالأطراف، وتشنّجات ليلية متكررة، وآلام بالظهر والكتفين والركبتين والساقين، فضلًا عن نقص الطول تدريجيًا.

يُنصح مرضى السكري بفحص كثافة العظام بانتظام، ومراجعة الطبيب عند ظهور الأعراض المذكورة، مع تناول مكملات الكالسيوم وفيتامين د تحت إشراف طبي، وتجنّب قدر الإمكان الأدوية ذات التأثير السلبي على العظام.

الدماغ: دوار وضعف

نوبة نقص التروية الدماغية العابرة، المعروفة شعبيًا بـ"الجلطة الصغيرة"، من أبرز الإشارات المبكرة لاعتلال الأوعية الدماغية عند مرضى السكري، وتتمثل في دوار عابر، أو ضعف وخدر بأحد جانبي الجسم، أو انحراف مفاجئ بالفم، أو تلعثم بالكلام وغيرها من الاضطرابات المؤقتة. ومع التأثير المزمن لارتفاع السكر، قد يصاب المريض بما يُعرف بـ"اعتلال الدماغ السكري"، فيتراجع لديه التعلم والذاكرة، وتضعف قدرات اللغة والفهم والاستنتاج والإدراك، وفي الحالات الشديدة قد يتطور الأمر إلى الخرف.

عند ظهور أي أعراض مشتبه فيها لجلطة صغيرة، يجب التوجه إلى الطبيب فورًا. ويُنصح مرضى السكري الذين يعانون كذلك من ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب الدهون بإجراء超声صوت السباتي وفحوص الأوعية الدماغية سنويًا للاطمئنان المبكر.

العينان: جفاف وضباب

تزداد نسبة الإصابة باعتلال الشبكية السكري باطّلال مدة المرض، وتظهر أعراضه في جفاف العين والإحساس بوجود جسم غريب وحرقة وضبابية الرؤية وتذبذب حدة البصر.

إذا تراكمت العوائم (النقاط الداكنة) أمام العين أو تراجعت الرؤية، يجب فحص قاع العين فورًا. ويُعد فحص قاع العين الأول إلزاميًا عند تشخيص داء السكري من النوع الثاني، وبعد خمس سنوات من التشخيص في النوع الأول. أما وتيرة الفحوص اللاحقة فتُحدَّد بحسب الحالة: من لا اعتلال لديه ويضبط سكره جيدًا يفحص كل سنة إلى سنتين؛ ومن لديه اعتلال خفيف كل 6 إلى 12 شهرًا؛ ومن لديه اعتلال متوسط إلى شديد كل 3 إلى 6 أشهر، وفق تعليمات الطبيب.

اللثة: احمرار وانحسار

خطر أمراض اللثة والأنسجة الداعمة للأسنان لدى مرضى السكري أعلى بكثير من عامة الناس، ومن أعراضه المبكرة احمرار اللثة ونزيفها عند التفريش وانحسارها وتراكم جير الأسنان، ومع إهمال الحالة تبدأ الأسنان بالتخلخل وقد تتساقط.

يُنصح بفحص شامل للفم والأسنان مرة سنويًا، ومراجعة الطبيب مبكرًا عند وجود نزيف لثة أو التهاب أو تخلخل أسنان أو تقرحات فم لا تلتئم أو تورّم بالوجه أو حرارة. وقبل خلع أو زراعة الأسنان، لا بد من إطلاع الطبيب على حالة السكر.

القلب: ضيق وأنفاس قصيرة

عند إصابة الأعصاب اللاإرادية للقلب، يعاني مريض السكري من تسارع نبض القلب في الراحة، وعجز القلب عن مواكبة النشاط البدني، وهبوط الضغط الانتصابي، مع دوار وخفقان واسوداش أمام العينين عند الوقوف. والأهم أن النوبة القلبية عند مرضى السكري غالبًا بلا ألم نمطي، ومن إشاراتها غير النمطية: ضيق الصدر وضيق النَّفَس، أو الاستيقاظ المفاجئ ليلًا محمومًا باللهاث وضيق التنفس؛ والغثيان والقيء وانتفاخ وآلام أعلى البطن واضطراب المعدة؛ والتعرّق البارد الغزير المفاجئ والوهج غير المبرر والدوار، بل والإغماء.

يُنصح بإجراء رسم قلب (تخطيط كهربائي) فور تشخيص السكري، ومع وجود عوامل خطورة كارتفاع الدهون أو الضغط أو السمنة، يجب تقييم الشرايين التاجية دوريًا. وعند ظهور الأعراض المذكورة، يجب الاشتباه بالنوبة القلبية فورًا والاتصال بالإسعاف (120) دون تأخير.

الكلى: رغوة في البول

ازدياد الرغوة في البول بشكل ملحوظ هو العلامة المبكرة النموذجية لاعتلال الكلى السكري؛ إذ تظهر رغوة دقيقة تعجز عن التلاشي حتى بعد عشر دقائق من تركها، وقد يصاحبها كثرة التبول ليلًا.

يبدأ فحص الكلى الأول عند تشخيص النوع الثاني، وبعد خمس سنوات في النوع الأول، ثم يُفحص بعدها سنويًا على الأقل نسبة الألبومين/الكرياتينين في البول. والجدير بالتنبيه أن خلو تحليل البول من البروتين وكون الكرياتينين في الدم طبيعيًا لا يعنيان سلامة الكلى، فهذه الغدة تمتلك قدرة تعويضية هائلة، ولا يرتفع الكرياتينين إلا بعد تلف أكثر من نصف الكلية.

 المعدة والأمعاء: انتفاخ وغثيان

تتجلى اضطرابات الجهاز الهضمي عند مرضى السكري في الشبع السريع مع قلة الأكل، والانتفاخ والغثيان المتكرر، وتناوب الإمساك المزمن مع إسهال بلا سبب واضح، من دون حرارة أو ألم بطن، والسبب الرئيسي تلف الأعصاب اللاإرادية، وتثبيط ارتفاع السكر لتقلّصات المعدة، واضطراب إيقاع الجهاز الهضمي.

يُنصح بالاعتماد على الأدوية الأقل تأثيرًا على الجهاز الهضمي بإشراف الطبيب. وبعض أدوية خفض السكر قد تسبب في البداية غثيانًا أو انتفاخًا أو إسهالًا، وكثيرًا ما تخف هذه الأعراض مع تناول الدواء مع الطعام أو بعد فترة تأقلم؛ لكن عند ظهور صعوبة البلع، أو قيء بقايا طعام الأمس، أو نحول غير مبرر، أو براز أسود، أو ألم حاد مفاجئ، يجب مراجعة الطبيب سريعًا، ولا يُنصح بتناول أدوية معدة من تلقاء النفس لإخفاء الحالة.

المثانة: اضطراب التبول

تلف المثانة الناتج عن اعتلال الأعصاب اللاإرادية يظهر بشكلين رئيسيين: احتباس البول، أي صعوبة التبول وضعف تدفقه والإحساس بعدم إفراغ المثانة؛ وسلس البول، أي تكرار التبول والإلحاح البولي وتسرب البول، وقد يؤدي ذلك إلى التهابات المسالك البولية.

يُنصح بتحليل بول وسونار للمسالك البولية مرة سنويًا على الأقل، ومراجعة الطبيب فور حدوث أي اضطراب بالتبول.

الساقان: ألم وعرج

العرج المتقطع وألم الراحة هما العرضان المحوريان لاعتلال أوعية الساقين: فبعد مسافة من المشي يشعر المريض بثقل وألم وخزلة في الساقين تزول بالاستراحة ثم تعود مع المشي مجددًا؛ ومع تفاقم الحالة يستمر الألم حتى في الراحة.

أما اعتلال الأعصاب الطرفية فيصيب الجانبين غالبًا بشكل متناظر، وتكون الأعراض أشد في أطراف القدمين. تبدأ الحالة بوهن الساقين وتراجع حس اللمس، ومن أعراضها النموذجية تنميل أصابع القدمين وخزلها وإحساس بالحرقة؛ وفي المراحل المتقدمة تتبدّد حساسية القدم للألم واللمس والحرارة كليًا، فيغدو جرح القدم غير محسوس، ما يهيّئ للعدوى والقروح وما يُعرف بـ"قدم السكري". ومن إنذاراته المبكرة تثخّن مسامير القدم وتشوّهها وتراجع الإحساس بها.

قد يصاب مريض السكري أيضًا بالضمور العضلي السكري الذي يستهدف غالبًا الضفيرة القطنية العجزية، فيشعر بألم غامض في الفخذ والأرداف بجهة واحدة وصعوبة في المشي والدفع، وهو ما يُخلط كثيرًا بأعراض الانزلاق الغضروفي القطني.

يبدأ فحص الأعصاب الأول عند تشخيص النوع الثاني، وبعد خمس سنوات في النوع الأول، ثم سنويًا على الأقل بعد ذلك. كما يُنصح من تجاوز الأربعين بتقييم متخصص لأوعية الساقين مرة سنويًا على الأقل. ويستطيع المريض يوميًا أن يتحسس بنفسه نبض شريان ظهر القدم؛ فإذا كان واضح الضعف فهذا يرجّح وجود تضيّق أو انسداد بأوعية الساقين، كما يمكنه قياس محيط الساق دوريًا لتقدير التغيرات في كتلة العضلات.

**المصدر: صحيفة الحياة (生命时报)**

*إخلاء مسؤولية: هذا المقال للمعلومة والتوعية الصحية فقط، ولا يُعد بديلًا عن التشخيص الطبي.*